البام…..و الهدف من المحكمة الدستورية

الفجر الجديد: متابعة

“…الذهاب إلى القضاء الدستوري هو تصرف في صميم العملية الديمقراطية، والديمقراطية هي ثقافة واخلاق، والديمقراطية سلوك، اما أن نصف كل من أتجه إلى المؤسسات الدستورية للتقاضي بانه نوع من العبث السياسي، فهذا لا يعبر إلا عن نوع من العبث الفكري نحو الديمقراطية” عبد اللطيف وهبي اثناء مداخلته حول القانون التنظيمي للمحكمة الدستورية.
شهدت الساحة السياسية في العقد الأخير انفراج مهم على مستوى النقاش وتحول مثير في الخطاب السياسي ، تجلى هذا التحول في كسر مجموعة من “الطابوهات”، التي لم يكن أحد يستطيع الدخول في نقاشها على الأقل بشكل علني ، هذا التطور الناتج طبعا عن تطور المجتمع وتطور متطلباته، وناتج عن بلورة مفهوم جديد للسلطة ، حيث ساهمت هذه الثنائية في فتح المجال أكثر أمام حرية النقاش والراي ، ساعدها في ذلك نشاط مميز لرجال السياسة والاكاديميين على مواقع التواصل الاجتماعي ، وإقبال الفئة العريضة من المجتمع على التعبير عن آرائها بخصوص القضايا الكبرى والتفاعل معها إيجابا أو سلبا، بل وقد لا نبالغ إن قلنا أنها ساعدت على تغيير بعض القرارات الحكومية أو في اقصى حد تعديلها أو شرحها بشكل أكثر وضوحا.
فمغرب اليوم، يتوفر على مناخ سياسي وقانوني حافل بالرهانات الكبرى، وبتحديات عظمى تتطلب تظافر الجهود لأجل توفير انطلاقة متجددة تتجاوز أعراف وتقاليد كادت أن تفوق القوانين نفاذا ونفوذا، تقف أمامها الأحزاب السياسية في حالة صمت حتى أن ملك البلاد شخص هذه الحالة بوصف” الإنتظارية والإتكالية”.
ورغم ما ذكر فلا يمكن أن ننكر أن بعض الأحزاب وبعض القيادين بهذه الأحزاب سجلوا مواقف، لعل أبرزها مواقف حزب الأصالة والمعاصرة، التي كانت دائما تثير نقاشا يضاف إلى النقاش الدائر حول الحزب نفسه، لعل أخرها إلى حدود الساعة موقف المكتب السياسي للحزب باللجوء إلى المحكمة الدستورية لأجل الطعن في مقترح قانون تصفية معاشات البرلمانين، وهو الذي اسال مدادا الكترونيا على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي.
وللتذكير فقرار حزب الأصالة والمعاصرة ليس الأول من نوعه ولا وليد اليوم الذي نعيش فيه استعدادات للاستحقاقات الانتخابية المقبلة، وليس مزايدة سياسية كما يفهمها البعض، فقد سبق للحزب أن ذهب إلى المحكمة الدستورية ما مرة، ايمانا منه بكون القضاء الدستوري يصحح مكامن الخلل أو الهوة البرلمانية ويحمي البرلمان من تغول السلطة التنفيذية ويحسن ويرفع مستوى أداء البرلمان، ولهذا عبر بكل ثقة حزب الأصالة والمعاصرة عن مواقفه من القانون التنظيمي للمحكمة الدستورية بحد ذاتها، لا لشيء إلا لأجل ايمانه بأن هذه المحكمة يجب أن يكون لها دور في حجم إسمها مسطريا وموضوعيا، ولجأ للمحكمة الدستورية أيضا يوم غادر حزب الاستقلال الحكومة ودفع المحكمة إلى اصدار قرار يعتبر إضافة إلى البناء الدستوري لبلادنا، وحرصا من حزب الأصالة والمعاصرة على استقلالية النيابة العامة تم توجيه مذكرة استثنائية لرئيس المحكمة الدستورية ترمي إلى مناقشة مدى دستورية النظام الداخلي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، ولجأ لها أيضا يوم طعن في قانون هيئة المناصفة ومكافحة كل اشكال التمييز، ثم عندما قررت الحكومة تجاوز سقف الدين الخارجي، وحصل منها على قرار اخر عالج حالة استثنائية عاشتها بلادنا وعاشها العالم، واليوم يلجأ لها لأجل اشراكها في موضوع به جزء ليس بيسير من المال العام .
هذا اللجوء للقضاء الدستوري الذي يعتبره البعض عبثا، وأحيانا يعتبرونه نزاعا يجب أن ينتج عنه رابح وخاسر، هو بالضبط ما رسخت به الدول الكبرى بناءها الديمقراطي وأصلت به قواعدها الدستورية ، فقراءة التجارب الدولية تظهر لنا بكثير من الجلاء إلى أن القضاء الدستوري ليس مجرد وسيلة للفصل في النزاعات، وتعطينا نتيجة واحدة مفادها أنه من العبث السياسي، الحديث عن ديمقراطية أي نظام سياسي كان، في غياب قضاء دستوري متكامل ومشارك، وعليه فالاستعانة بالقضاء الدستوري ليس لأجل انتظارات وهمية بل هدفه خلق تصرف ديمقراطي مؤسساتي نص عليه الدستور نفسه.
لكن للأسف نرى أن الكثيرين يحاولون جعل العدالة الدستورية مقتصرة على تقسيم انتخابي للدوائر الانتخابية، وهو أمر غير صحي فالعدالة الدستورية يجب أن تشمل القضايا المتصلة بالعدالة الاجتماعية وبالمراسيم التنظيمية وبالحريات وبالسلطة القضائية وبمقتضيات المعاهدات الدولية وبالقضايا ذات الطابع المالي، بل وهناك من يريد أن يجعل من البرلمان المرجع الوحيد المعبر عن إرادة الشعب والسيادة الوطنية ، وأن أي نص مررته الحكومة أو البرلمان من اللجان البرلمانية التي تخضع في كثير من الأحيان لحسابات الأغلبية والمعارضة ، هو قانون أعلى علو نفوذ من اتى به.
وهنا لابد من التذكير أن فرنسا التي كانت أبرز الدول التي كرست دور القضاء الدستوري تجاوزت هذا المنطق لأنها اعتبرت أنه وقف حائلا لفترة طويلة دون اعتماد الرقابة على دستورية القوانين من قبل القضاء الدستوري.
وهنا لابد من استحضار الخطاب الملكي السامي الذي وجهه جلالة الملك إلى الامة حول مشروع دستور 2011 حين قال”…وتأكيدا لمبدأ سمو الدستور والقانون، تم الارتقاء بالمجلس الدستوري إلى “محكمة دستورية”، ذات اختصاصات واسعة، تشمل، علاوة على صلاحياتها الحالية، مراقبة دستورية الاتفاقات الدولية، والبث في المنازعات بين الدولة والجهات، وتعزيزا للديمقراطية المواطنة، تم تخويل هذه المحكمة صلاحية البث في دفوعات المتقاضين بعدم دستورية قانون تبين للقضاء أن من شأنه المساس بالحقوق والحريات الدستورية”.
إننا نرى بحزب الأصالة والمعاصرة أن مهام المحكمة الدستورية يجب أن تتكامل مع مهام المجالس السياسية في الدولة، فالدعوى الدستورية لا يوجد فيها مدعى عليه ومجلس النواب ليس طرفا، وبالتالي فالمفترض بالمجلس النيابي أن يعتمد على المحكمة الدستورية كمكمل لعمله، إذا كنا فعلا نطمح أن نكون دولة القانون والمؤسسات، دولة حق، دولة راعية لحقوق الانسان وحرياته الأساسية.
ونؤكد أن اللجوء المتتالي للمحكمة الدستورية إنما يرفع مستوى النقاش في البرلمان، فالمبادئ والقواعد التي تأتي بها اجتهاداته، تلزم البرلمانين التقييد بها، إلى جانب التزامهم بإرضاء ناخبيهم والرأي العام، وهذا ما نرى أنه يشكل عنصرا إيجابيا في مجال تطوير الأداء البرلماني.
وفي الأخير لا يمكن الا أن نقتبس ما قاله السيد الأمين العام لحزب الاصالة والمعاصرة في احدى مقالته حين قال”…إن نتائج القضاء الدستوري وقرارات المحكمة الدستورية في جميع الدول الديمقراطية لا تقاس بمقياس ربح الدعوى أو خسارتها، بل الامر يتعلق في جميع الاحوال-ربحنا الدعوى أو خسرناها-بتراكم تفسيرات المحكمة للشق الغامض في مضمون الدستور، بتعزيز للممارسات الديمقراطية الفضلى، وبتكريس اكتشاف روح وفلسفة الدستور أكثر من نصوصه الغامضة”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Social media & sharing icons powered by UltimatelySocial