العالم ما بعد كرونا هل تنتزع الصين السيطرة من الولايات المتحدة الأمريكية؟ إعداد: محمد جواد

شهد العالم في منتصف القرن الماضي و بالضبط بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها منافسة بين المعسكرين الغربي و الشرقي لاستقطاب أكبر عدد من الدول و ذلك في أفق بسط السيطرة و التحكم في ميزان القوى،و أسفرت هذه المنافسة عن تقاسم الولايات المتحدة الأمريكية و الإتحاد السوفياتي لميزان القوى لفترة طويلة،لكن بعد ذلك نجح النظام الرأسمالي الليبرالي في فرض هيمنته و التمهيد للقطبية الأحادية و ذلك بعد انهيار النظام الاشتراكي الذي نتج عنه انقسام دول الإتحاد السوفياتي و توحيد الألمانيتين بسقوط جدار برلين.و لكن يبدو اليوم بأن هذا الصراع سيعود مجددا لكن بطريقة جديدة،و بأسلوب مختلف،فبعد أن كان الصراع في المرحلة السابقة على غزو الفضاء و على التسلح لكسب السيطرة على العالم،فإن ما يشهده العالم حاليا من تطورات نتيجة تفشي الفيروس التاجي المعروف بكورونا ينذر بصراع اقتصادي علمي بيولوجي بين الدول الكبرى و خاصة الصين التي كانت نقطة انطلاق هذا الفيروس،ثم الولايات المتحدة الأمريكية،و بعدها الدول الأوربية و خاصة ألمانيا التي كانت من بين أنجح الدول في تعاملها مع هذه الجائحة.و من أجل تسليط الضوء على هذا الصراع الذي يحدث في محيطنا حاولنا في هذا الموضوع تقصي أراء و مواقف بعض الخبراء و المنظرين علنا نستفيد جميعا و نتعرف أكثر عما ينتظرنا و ينتظر العالم ما بعد مرور هذه الجائحة العالمية.

. Covid19 لعل أبرز صراع يظهر اليوم هو الوصول إلى لقاح فيروس كورونا

لكن المنافسة على إنتاج اللقاح لا تنحصر على دولتين بل هناك مجموعة من الدول تسابق الزمن نحو هذا الاكتشاف، إلا آن أهما الصين و الولايات المتحدة.

و قد يبدو التسابق الدول نحو إيجاد هذا اللقاح عاديا و مشروعا في ظاهر الأمر إلا آن مجموعة من

المنظرين الدوليين يرون أن هذا السباق هو من سيحدد لنا من سيقود العالم في السنوات القادمة.

و من هذا المنطلق تتبادر إلى أذهاننا مجموعة من الأسئلة أبرزها:هل نحن على مشارف نهاية الهيمنة الأمريكية على العالم ؟

وهل بإمكان الصين أن تحتل الصدارة لتخلف أمريكا في قيادة العالم؟

في هذا السياق  نشرت صحيفة غارديان البريطانية مقالا تناولت فيه بالتحليل التغيير الذي قد يطرأ على النظام العالمي جراء فيروس كورونا المستجد “كوفيد-19” الذي حصد حتى الآن أرواح أكثر من مئة ألف شخص، وأصاب نحو 7 مليون منذ ظهوره في مدينة ووهان الصينية في ديسمبر الماضي

واستهل المحرر الدبلوماسي للصحيفة، باتريك وينتور، مقاله متسائلا: هل بدأت ردود فعل دول العالم على الجائحة تُحدث تغييرا في ميزان القوى بين الصين والغرب؟

وقال إنه من السابق لأوانه على ما يبدو الحديث عن العواقب السياسية والاقتصادية لسلام بعيد المنال، في ضوء وصف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لما يحدث في العالم الآن بأنها  “حرب ضد عدو غير مرئي”.

على أن قادة العالم والدبلوماسيين ومحللي الجغرافيا السياسية يدركون أنهم شهود على انبلاج فجر عصر جديد بعين على مكافحة الوباء وأخرى على ما ستخلفه هذه الأزمة من إرث جد ثقيل للعالم الجديد.

ويرى الكاتب أن الأيديولوجيات واتحادات الدول المتنافسة والزعماء وأنظمة التماسك الاجتماعي، تستغل وسائل الإعلام للتأثير على الرأي العام العالمي.

ويعتقد أن الجميع في هذه “القرية العالمية” بدؤوا يستخلصون الدروس والعبر، ففي فرنسا، أكد ماكرون أن “هذه الفترة علمتنا الكثير”، وأن كثيرا من الأمور اليقينية والقناعات ستتلاشى

ثم إن العديد من الأشياء التي اعتقدنا أنها مستحيلة في الماضي تحدث الآن. واليوم الذي ستنقشع في هذه الجائحة بانتصار البشرية، لن يمثل عودة للعهد السابق، فالإنسانية ستكون أقوى أخلاقيا، حسب تعبير كاتب مقال غارديان

وفي ألمانيا، توقع وزير خارجيتها السابق زيغمار غابرييل أن يكون الجيل الجديد أقل سذاجة فيما يتعلق بالعولمة. وفي هونغ كونغ، كُتب على أحد الجدران “لن تعود الأمور إلى ما كانت عليه، لأن وضعها السابق كان هو المشكلة في الأساس

ويمضي الكاتب بالاستشهاد بأقوال كبار الشخصيات العالمية بشأن توقعاتهم لمرحلة ما بعد كورونا. وينقل هذه المرة عن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش القول “إن العلاقة بين القوى العظمى لم تكن أبدا مختلة بهذا الشكل”، مؤكدا أن جائحة “كوفيد-19” تبرهن بشكل كبير أن على العالم إما أن يتضافر أو أن يهزمه الفيروس.

و يبدو غريبا في الظرفية الراهنة حيث المعاناة من مخلفات هذا الفيروس الذي يحصد الأرواح البشرية  أن يحتدم النقاش  في أروقة المؤسسات البحثية العالمية ليس حول التعاون بين الدول، بل عمّا إذا كانت الصين أم الولايات المتحدة هي التي ستقود عالم ما بعد كورونا.

ويعلق باتريك وينتور على ذلك بالقول كأنما هذه الجائحة تحولت إلى منافسة حول زعامة العالم، مشيرا إلى أن الدول التي تصدت للأزمة بفعالية أكثر هي التي ستحظى بالشعبية

وبرأي كاتب المقال، بأن تفشي فيروس كورونا لا يشكل اختبارا للقدرات التشغيلية لمنظمات من شاكلة منظمة الصحة العالمية والأمم المتحدة فحسب، لكنه يختبر أيضا الفروض الأساسية المتعلقة بالقيم والصفقات السياسية التي تعززها

ويزعم كثيرون أن الشرق قد كسب هذه الحرب بين الغرماء المتنافسين، فالفيلسوف الكوري الجنوبي بايونغ تشول هان يرى في مقالة بصحيفة إلباييس الإسبانية أن المنتصرين هي “الدول الآسيوية مثل اليابان وكوريا الجنوبية والصين وهونغ كونغ أو سنغافورة بسبب عقليتها الاستبدادية المستمدة من الإرث الثقافي للعقيدة الكونفوشيوسية”.

ويضيف بايونغ أن الناس في تلك الدول لا ينزعون كثيرا إلى التمرد، وهم مطيعون أكثر من نظرائهم الأوروبيين، ويثقون بالدولة، وحياتهم أكثر تنظيما. وفوق هذا وذاك، أظهروا التزاما صارما بالرقابة التي فرضتها عليهم السلطات في بلدانهم في مواجهة جائحة “كوفيد  19ّ”.

ويتابع الفيلسوف الكوري الجنوبي أن الجوائح في آسيا لا يكافحها علماء الفيروسات والأوبئة وحدهم، بل أيضا خبراء الحاسوب والبيانات الضخمة.

وتنبأ زاعما أن “الصين بات بإمكانها الآن الترويج لدولتها البوليسية الرقمية كنموذج للنجاح في درء الوباء. وستفاخر أكثر بتفوق نظامها

وعلى النقيض من ذلك، يرى شيفشانكرمينون الأستاذ الزائر بجامعة أشوكا في الهند أن التجربة برهنت حتى الآن على أن تعامل الأنظمة الاستبدادية والشعبوية مع الجائحة لم يكن هو الأفضل بأي حال، مؤكدا أن الدول التي تصدت مبكرا وبنجاح للأزمة –مثل كوريا وتايوان- هي دول ديمقراطية لا يحكمها زعماء مستبدون أو شعبويون.

ويتفق الكاتب والمفكر الأميركي من أصول يابانية فرانسيس فوكوياما مع هذا الرأي، إذ يقول في هذا الصدد إن الخط الفاصل في الاستجابة الفعالة للأزمات لا تضع الأنظمة الاستبدادية في كفة والديمقراطيات في كفة أخرى. فالعامل الحاسم في الأداء ليس هو نوع النظام بقدر ما هو قدرة الدولة على الاستجابة للكوارث، وفوق كل ذلك درجة الثقة بالحكومة.

وأثنى فوكوياما على ألمانيا وكوريا الجنوبية في هذا الخصوص، فكوريا الجنوبية تروج لنفسها على أنها القوة الديمقراطية على عكس الصين، حيث استطاعت التعامل مع الأزمة على أفضل ما يكون التعامل. وتعج صحافتها الوطنية بمقالات تنوه بقرار سلطات ألمانيا التي اقتفت أثر النموذج الكوري الجنوبي في إجراء فحوص جماعية لمواطنيها وبالتالي محاصرة الفيروس.

وفي رأينا ستشكل الجائحة عاملا مساعدا مهما في التغيير القادم للنظام الدولي، وهو الأمر الذي تبين في العديد من المواقف التي اتخذتها الدول المتنافسة في إطار مكافحة الفيروس القاتل خاصة بعد ظهور نقط ضعف خطيرة لدى بعض الدول الكبرى و التي كانت تعتبر نفسها رائدة،قبل أن يكشف الفيروس عن خلل كبير على مستوى نظرتها لماهية الأمن القومي، حيث قامت بالتركيز على الجوانب العسكرية والأمنية  حين كانت تصرف مبالغ مالية طائلة في صنع وتكديس الأسلحة بكافة أنواعها بينما تم تجاهل الأبعاد الإنسانية والغذائية والصحية والاجتماعية كمرتكزات أساسية للأمن القومي

و قد كان من المذهل رؤية دول كبرى مثل الولايات المتحدة الأميركية وإيطاليا وبريطانيا تعاني من نقص حاد في أجهزة التنفس الاصطناعي والكمامات، فضلا عن غياب الخطط الواضحة في التعامل مع الفيروس القاتل بينما نجحت الصين “دولة سلطوية” في مواجهته من خلال تبني استراتيجية ناجعة اتسمت بالشمول والفعالية سخرت لها إمكانيات مادية وبشرية هائلة كما أظهرت انفتاحا على بقية العالم عن طريق مد يد العون للدول الغربية وغيرها من الدول

ولا شك أن النفوذ الصيني العالمي كان قد بدأ في التنامي منذ ما قبل ظهور الفيروس، حيث أظهرت بكين تمددا كبيرا في مناطق النفوذ الأميركي التقليدية في جنوب شرق آسيا وأوروبا، وذلك عبر تبني سياسات ومبادرات اقتصادية متعددة ليس أقلها مشروع “الحزام والطريق”، وهو أكبر مشروع بنية تحتية في العالم يهدف لتحسين الروابط التجارية العابرة للقارات عبر بناء مرافئ وطرق وسكك حديدية ومناطق صناعية

إمعان النظر في هذه المؤشرات يقود إلى نتيجة مفادها أن النظام العالمي قبل الجائحة لن يستمر كما كان قبلها طويلا، وأن التداعيات السياسية والاقتصادية للانتشار الكبير للفيروس القاتل على مستوى العالم ربما تمثل بداية لتشكل نظام جديد قد تستعيد فيه الدولة السلطوية التي تمثلها الصين مكانتها الريادية،مقابل انحصار نفوذ الولايات المتحدة الأمريكية التي تمر حاليا من ظروف جد صعبة خاصة في ظل الصراعات الداخلية التي غذتها أكثر ظاهرة الميز العنصري التي عادت لتطرح نفسها بشدة على المستوى الداخلي.

المصادر /الجزيرة + غارديان+إلباييس.

 

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Social media & sharing icons powered by UltimatelySocial