رمضانيات طنجة كبرى. أمسية العرفان استضافت شخصية سياسية استثنائية. يوسف بنجلون…!!!!!

الفجر الجديد:
في “أمسية العرفان”، التأم جمع غفير في رواق محمد اليوسفي بطنجة، خلال استضافة شخصية سياسية استثنائية، هو يوسف بنجلون، رجل الأعمال والسياسي الذي خبر دروب البحر والسياسة، حيث قدم عصارة تجاربه السياسية والمهنية في جلسة متفردة ضمن برنامج “رمضانيات طنجة الكبرى”.
الإعلامي عبد الله الجعفري، الذي سير هذا اللقاء، وصف بنجلون بأنه شخصية معروفة محليا ووطنيا، وأن الحوار معه سيكون غنيا ومتميزا، نظرا للتجربة الكبيرة لضيف الأمسية على المستوى المهني والسياسي.
من جهته قال عبد الواحد بولعيش، رئيس مؤسسة طنجة الكبرى، المنظمة لفعاليات برنامج رمضانيات طنجة الكبرى، إننا سنبحر اليوم مع يوسف بنجلون، بمسيرته الحافلة سياسيا ومهنيا، وذلك في آخر أماسي رمضانيات طنجة الكبرى، التي انطلقت منذ بداية بداية رمضان بأنشطتها المختلفة.
وتحدث بنجلون عن بداياته الأولى، سواء في عالم الصيد البحري أو السياسة، وقال “ولدت في حي مرشان، قرب سيدي المختار بجوار مقبرة الحي، ودرست الابتدائي والثانوي، ثم التحقت بإنجلترا للدراسة، لكني لم أكملها لعوائق مادية، قبل أن أنتهي بحارا على أحد المراكب التي اشتريتها في سنوات الثمانينات”.
وأضاف بنجلون “كنت متميزا في الرياضيات، لكني بدأت العمل مبكرا، وبالضبط في سن 12، وأنا من عائلة بحرية بامتياز، فوالدي صاحب مركب، وخالي وعمي كذلك”.
ويضيف “بدأت العمل في الميناء وعمري 19 سنة، بعد عودتي من إنجلترا. وفي 1986 اشتريت مركبا، ومع مرور السنوات جمعنا بين العمل التجاري والعمل النقابي، ثم انخرطنا في العمل النقابي، قبل أن تأتي مرحلة العمل السياسي وانخراطي في المؤسسة البرلمانية”.
وحول التغييرات الكبيرة في مجال الصيد البحري يقول بنجلون “هناك تغيرات كثيرة جدا على مدى 40 أو 30 عاما، والمغرب كان دوما سيد البحار في مجال الصيد، خصوصا في الجنوب، على الحدود مع موريتانيا، وفي الشمال على شواطئ المتوسط على الخصوص. كانت الإمكانات بسيطة، وكانت مغربة القطاع في بدايتها”.
ويضيف يوسف بنجلون “في التسعينيات بدأ المغرب يشعر بأهمية قطاع الصيد البحري على كل المستويات من أجل الحصول على استقلالية لاستغلال ثرواته ودخول مرحلة السيادة الكاملة على ثرواته”.
وحول ظاهرة غلاء أسعار الأسماك يقول بنجلون إن غلاء سعر الأسماك يدخل في إطار انخراط المغرب في سوق مفتوح، وهذا يجعل الأسعار تساير الأسواق عالميا، خصوصا فيما يخص أسماكا معينة مثل الرخويات، أي أن الأسعار تتماوج عالميا، لكن رغم ذلك يجب محاربة المضاربة لجعل الأسعار في متناول المواطنين.
وحول سؤال إن كان التصدير المبالغ فيه يساهم في الغلاء، يقول بنجلون إن الموضوع عويص ومعقد، لأن انخراط المغرب في عدد من الاتفاقيات التجارية الدولية دفع نحو الظروف التي نعيشها حاليا في مجال الأسعار.
وأشار بنجلون إلى ضرورة فتح حوار حول إعادة الأمور إلى نصابها في مجال الأسعار، لأن المشكلة هي وجود عدد من عمليات بيع السمك داخل الميناء، وهذا يؤثر على جودة السمك وعدم تناسب الأسعار مع قدرة المستهلك.
واعتبر بنجلون أنه من الصعب حذف المستفيدين من تجارة السمك، كما أن هناك مشكلة النقل التي تساهم أكثر في ارتفاع الأسعار، لكن يجب فرض مراقبة على هامش الربح.
وحول الظاهرة التي كان بطلها الشاب المراكشي عبد الإله، الذي طرح للبيع سمك السردين بخمسة دراهم فقط، يقول بنجلون “أعتقد أنه نقاش غير عقلاني، لأن الأمر يشبه منح حلوى لذيذة للناس لبعض الوقت، ثم ينتهى كل شيء. السردين في المغرب متوفر ومتنوع، والبحارة المجربون يقولون إن البحر مثل العيد، فيه قلة وكثرة، لكن ممكن في مراحل معينة فقط توفير السردين بذلك السعر، خصوصا إذا رافق ذلك بعض البهرجة عبر وسائط التواصل الاجتماعي، فالحياة في العالم الافتراضي تختلف كثيرا عن الحياة في العالم الواقعي، ومن أراد العيش في العالم الأزرق فهذا شأنه”.
وقال بنجلون إن هناك مشكلة أخرى وهي نقص السمك في البحر المتوسط، وهو سمك معروف بمذاقه اللذيذ، خصوصا في مناطق الحسيمة، وهذا تسبب في تكلفة اجتماعية مرتفعة.
وعن دوره في العمل النقابي في قطاع الصيد البحري قال بنجلون “حاولت الدفاع عن القطاع بأشخاصه ومؤسساته، وعملت على تنبيه وزارة الصيد البحري بضرورة اتخاذ قرارات جهوية تحترم طبيعة الجهات وتعمل على تحسين وضعية البحار، الذي حتى وقت قريب لم يكن يتوفر على الضمان الاجتماعي، وحتى المراكب لم يكن بها مراحيض”.
وأضاف “لقد جعلنا من الغرفة المتوسطية للصيد البحري رقما فاعلا من أجل الدفاع عن مصالح البحارة، وشاركنا بفعالية في مجال الدبلوماسية الموازية في مجال الصيد البحري، وهو ما تلقينا بشأنه تهنئة ملكية”.
وأشار بنجلون إلى أن نهاية عقد التسعينيات من القرن الماضي شهدت بداية تسييس قطاع الصيد البحري، “كل شيء بدأ من طنجة، وكان لي دور كبير في مأسسة القطاع، بغض النظر عن العمل السياسي”، يقول بنجلون.
وحول مدى استفادة بنجلون من الأسفار الكثيرة كمهني في هذا القطاع، يقول “زرت القارات الخمس، وبعض الأسفار تظل عالقة بالذاكرة، من بينها سفر لأستراليا سنة 2019 حيث لاحظت وجود رابط قوي بين العمل العلمي بين الجامعات وبين عالم المال والأعمال. هناك استقلالية للعمل العلمي. وفي تركيا أيضا يدافعون عن الاستقلالية القوية في هذا القطاع.
وخلال حديثه عن الجانب الآخر من مسيرته، في مجال السياسة، قال بنجلون إنه ولج السياسة عن طريق الصدفة، ثم عن طريق العمل النقابي، ثم أدى ذلك إلى الدخول للعمل في المجالس المنتخبة.
وحول ما جرى بعيد انتخابات سنة 2009، حين كان بنجلون مرشحا بقوة لمنصب العمودية، عن حزب التجمع الوطني للأحرار، قبل أن تتغير الأوضاع بشكل دراماتيكي لصالح حزب منافس، قال بنجلون “حصلنا على الأغلبية ثم ذهب منصب العمودية لحزب الأصالة والمعاصرة رغم أن عدد أعضائه 7 أشخاص، وعدد أعضائنا 37”.
ويضيف “بعدها أصبحت رئيسا لمقاطعة طنجة المدينة، واستقلت بعد سنتين”.
وعن التحالف الثلاثي الذي يقود الحكومة الحالية يقول بنجلون إنه في الانتخابات الأخيرة تم تشكيل التحالف الثلاثي، وهذا له جانب سلبي، لأن المفروض أن تكون المعارضة قوية، وليس ضروريا أن تتحالف الأحزاب الثلاثة القوية، ودلأن هذا يضر بسمة التدافع في المحال السياسي.
وأضاف “أنا كفاعل سياسي أرى أن التحالف الثلاثي غلط. فلا يمكن جمع الأحزاب الكبيرة كلها في جهة واحدة، فهذا تكتل كبير وقوي يضعف العمل الحكومي والمعارضة في آن”.
وأشار بنجلون إلى أن الواقع السياسي تطبعه النسبية الحزبية، وهذا ما يجعل الناس يصوتون على الأشخاص بنسبة كبيرة”.
واعتبر بنجلون أن ما تعلمه من السياسة هو ألا يحس بالزهو السياسي، بل يجب أن ينتصر السياسي من موقع الضعف، وأن يحافظ على علاقات جيدة مع فعاليات المجتمع المدني.
وحول التقييم السيء الذي حصلت عليه طنجة من قبل لجنة تابعة للااتحاد الدولي لكرة القدم قال بنجلون إن طنجة مدينة عالمية، أو على الأقل هذا ما كنا نعتقده، لكن التنقيط الذي حصلت عليه الفيفا كان صادما. فماذا حدث في مدينة الشعراء والكتاب والفنانين؟ المشكلة أن المدينة كبرت بسرعة فاقت كل التكهنات”.
وأشار بنجلون إلى أن المبادرة الملكية للتنمية في طنجة كانت مهمة جدا، وكان ينبغي أن تكون فيها استمرارية. لكن ما حدث هو أن طنجة سارت بطريقة خاطئة في الكثير من المجالات. وحتى في مجال العقار سارت الأمور بطريقة خاطئة، مثل الحزام الأسمنتي حول طنجة، وهو ما سبب ضغطا ديمغرافيا من الصعب مسايرته من حيث البنية التحتية، وهناك أحياء مكتظة جدا، إنه عالم من الأسمنت في طنجة، وهذا ما قلته في اجتماعات رسمية، ولم يعجب كلامي أحدا”، يقول بنجلون.
ويضيف “طنجة مدينة ضاقت بشكل كبير، وهذا ما يفترض اتخاذ قرارات سريعة وحاسمة.
في الماضي مثلا وجدنا أشياء جاهزة من العهد الدولي من دون مشاكل. لكن المشاكل جاءت بعد ذلك، خصوصا في محيط طنجة.
وتحدث بنجلون عن سوق سيدي احساين، الذي كان في قلب فضيحة كبيرة مؤخرا بسبب المشاهد الصادمة لبيع اللحوم داخله، وقال إنه يجب أن يقفل “ماذا يباع فيه؟ اللحم؟ هل نحن شعب من الدرجة الثانية؟ ألسنا مغاربة؟ السوق غير قانوني أصلا ويجب إقفاله قبل نقاش دفتر التحملات”، يقول بنجلون.
وخلال اللقاء تدخل عبد السلام الشعباوي، قيدوم الصحفيين بشمال المغرب، وأحد أقدم الأصدقاء ليوسف بنجلون، الذي وصف هذا الأخير بأنه “سباح ماهر يتقن السباحة في البر والبحر، وأنه صاحب الذكاء الهادئ”.
ووصف الشعباوي بحر السياسة بأنه ملوث، والبحر أفضل منه.
وفيما يخص سمك السردين، قال الشعباوي إن سردين الحسيمة هو الألذ على الإطلاق، لكن تم اعدامه من طرف المهنيين. ولا أتفق مع أحد لتحميل المسؤولية للدلفين الأسود، لأن الصيادين صاروا يصطادون السردين في المنطقة بالبارود، وهو ما جعل السردين يباع بعيون حمراء. وفي كل منطقة يضرب فيها البارود تنعدم فيها الحياة البحرية لسنوات طويلة، وأن دلفين النيغرو بريئ جدا من انقراض السردين في المنطقة، يقول الشعباوي.
من جهته تدخل الصحفي الرياضي المخضرم محمد الصمدي، ووصف بنجلون بأنه شخصية سياسية ورجل التوافقات، وأنه اكتشف هذه الليلة بأنه منظر فعلي في اختصاصه في مجال البحر، وأنه يحترم الاختصاص ويجتهد فيه.
وتخلل اللقاء لفتاة إنسانية مؤثرة، حين تم عرض شريط فيديو لنادية بنجلون، الابنة الصغرى ليوسف بنجلون، المقيمة في إنجلترا، والتي قدمت في حق والدها شهادة مؤثرة، ملأى بالتقدير والامتنان.
كما تم عرض عدة مؤلفات لنادية بنجلون، بالإنجليزية، والتي حظيت بتقدير واسع من جانب النقاد.
واعتبر بنجلون تدخل ابنته بكونه مفاجأة سارة جدا، وقال إنه استغرب من ذلك لأنها منغلقة، شأنها شأن كل الشعراء والكتاب، كما أنها منشغلة مع كتاباتها ومع رسالة الدكتوراه في الطب.
وختم رئيس مؤسسة طنجة الكبرى للعمل التربوي والثقافي والاجتماعي، عبد الواحد بولعيش هذا اللقاء بوصف هذه الأمسية بأنها جلسة قيمة ومتفردة، وينطبق عليها وصف ختامها مسك، وأنها تأتي في ختام برنامج غني للمؤسسة طوال شهر رمضان، وأيضا طوال أربع سنوات من العمل المتميز والمثابر للمؤسسة في مختلف المجالات.
وتم تكريم يوسف بنجلون بدروع مؤسسة طنجة الكبرى، بالإضافة إلى لوحة “بورتريه”، وهو تقليد دأبت مؤسسة طنجة الكبرى للعمل التربوي والثقافي والاجتماعي على نهجه في كل فعالياتها.