تزكية الأشخاص أم تلون الأحزاب ؟ ظاهرة الترحال السياسي تربك المشهد..
الفجر الجديد:
كاتبة/حليمة صومعي
في خضم الاستعدادات المتواصلة للاستحقاقات الانتخابية، يطفو سؤال جديد إلى جانب النقاش التقليدي حول التزكيات: هل الأحزاب تزكّي أشخاصاً بمشاريع واضحة، أم أصبحت تلاحق “مرشحين جاهزين” مهما تغيّرت ألوانهم السياسية؟ سؤال يزداد إلحاحاً مع تنامي ظاهرة الترحال الحزبي، التي أضحت سمة بارزة في المشهد السياسي.
اليوم، لم يعد غريباً أن نرى منتخبين ومرشحين ينتقلون من حزب إلى آخر في فترات وجيزة، أحياناً دون تقديم تبريرات سياسية أو فكرية مقنعة. هذا “التلوّن الحزبي” يطرح علامات استفهام حول معنى الانتماء السياسي، وحول جدوى البرامج الحزبية نفسها، إذا كان حاملها قابلاً لتغييرها بتغيير الانتماء.
من حيث المبدأ، يفترض أن تكون التزكية الحزبية مبنية على الانسجام مع المشروع السياسي، وعلى الالتزام بخط الحزب وتوجهاته. غير أن الواقع يكشف، في حالات كثيرة، عن منطق مغاير، حيث تتحول التزكية إلى عملية استقطاب لأشخاص يمتلكون حظوظاً انتخابية، بغضّ النظر عن تاريخهم الحزبي أو ثبات مواقفهم.
هذا التحول لا يؤثر فقط على صورة الأحزاب، بل ينعكس أيضاً على ثقة المواطنين في العملية السياسية برمتها. فحين يرى الناخب نفس الوجوه تتنقل بين الأحزاب دون تغيير في الخطاب أو الممارسة، يتعزز لديه الانطباع بأن الرهان ليس على البرامج، بل على المواقع والمصالح.
في المقابل، تتحمل الأحزاب جزءاً كبيراً من المسؤولية، حين تفتح أبوابها دون ضوابط صارمة، وتغضّ الطرف عن الترحال السياسي بحثاً عن تعزيز مواقعها الانتخابية. كما أن غياب ثقافة سياسية راسخة لدى بعض الفاعلين يساهم في تكريس هذا السلوك، الذي يفرغ العمل الحزبي من مضمونه.
إن استمرار ظاهرة الترحال يطرح تحدياً حقيقياً أمام ترسيخ ديمقراطية قائمة على الوضوح والمحاسبة. فهل نحتاج إلى مراجعة أعمق لقوانين التزكية؟ أم إلى إرادة سياسية تعيد الاعتبار للأخلاقيات الحزبية؟ أم أن الحل يبدأ من وعي الناخب، الذي يملك في نهاية المطاف سلطة التمييز بين من يغيّر مواقفه ومن يثبت على مبادئه؟
في ظل هذه التحولات، يبدو أن السؤال لم يعد فقط: هل تُزكّي الأحزاب أم الأشخاص؟ بل أصبح: أي معنى يبقى للانتماء الحزبي حين يتحول إلى مجرد لون قابل
