“مول المليح باع و شرا”!! حين تتحول الحياة إلى دكان مفتوح للمصالح..
الفجر الجديد:
الكاتبة / حليمة صومعي
لم يعد السؤال اليوم: من يحكم؟ بل كيف يُحكم؟ ففي مشهد سياسي يتغير بسرعة الضوء، بات المواطن يتابع فصول مسرحية متكررة عنوانها العريض: بيع المواقف، شراء الولاءات، والمقايضة على حساب الثقة العامة. هنا يصبح توصيف “مول لمليح” أكثر من مجرد تعبير شعبي ساخر، بل مرآة تعكس واقعًا سياسيًا مأزومًا.
نرى وجوهًا كانت بالأمس تهاجم بشراسة، واليوم تصافح بابتسامة عريضة. خطابات كانت “خطًا أحمر” تحولت إلى مجرد عناوين للاستهلاك الإعلامي. أحزاب ترفع شعارات الإصلاح، لكنها أول من يقايض المبادئ بالكراسي. فهل هذا ذكاء سياسي أم انتهازية مفضوحة؟
الأخطر في هذا المشهد ليس فقط تبدل المواقع، بل تسويق هذا التلون على أنه “نضج سياسي” أو “مرونة في التدبير”. والحقيقة أن ما يُسوّق كبراغماتية ليس سوى هروب من المحاسبة، واستثمار في ذاكرة سياسية قصيرة المدى، يُراد منها إقناع المواطن بأن النسيان فضيلة، وأن التناقض مهارة.
وفي المقابل، يُترك المواطن وحيدًا يدفع ثمن هذا العبث: وعود انتخابية تتبخر، مشاريع معلقة، وخدمات عمومية لا ترقى إلى حجم الشعارات. هكذا تتحول السياسة من أداة للتغيير إلى سوق موسمية، تُفتح أبوابها قبيل الانتخابات وتُغلق مباشرة بعد فرز الأصوات.
المسؤولية هنا جماعية. الأحزاب التي تسمح بهذا العبث شريكة فيه، والمؤسسات التي تتسامح مع غياب المحاسبة تُكرّس الرداءة، والإعلام الذي يكتفي بنقل التصريحات دون تفكيكها يساهم في تلميع الزيف. أما المواطن، فبين الغضب والصمت، يجد نفسه محاصرًا بخيارات محدودة.
إن أخطر ما يمكن أن نصل إليه هو تطبيع هذا السلوك، وجعله أمرًا عاديًا في الحياة السياسية. لأن السياسة حين تفقد أخلاقها، تفقد معناها، وحين تتحول إلى تجارة، يصبح الوطن هو الخاسر الأكبر.
ويبقى السؤال المؤلم: إلى متى سيستمر “مول لمليح” في البيع والشراء دون رقيب؟ ومتى سنرى فاعلين سياسيين يعتبرون المنصب مسؤولية لا غنيمة، وخدمة لا صفقة؟
