يونيو 1, 2026

المبادرة الملكية في الميدان، و غياب حكومي في زمن الأزمة..

 

الفجر الجديد:

الكاتبة/ حليمة صومعي

شهدت عدة أقاليم مغربية، خلال فترة رأس السنة، موجة برد قاسية وتساقطات ثلجية كثيفة أعادت إلى الواجهة معاناة دواوير معزولة، وجعلت آلاف الأسر في مواجهة مباشرة مع ظروف مناخية صعبة، تسببت في انقطاع الطرق، وتعطّل الخدمات، وتهديد السلامة الصحية للساكنة، خاصة في المناطق الجبلية والنائية.
في خضم هذه الأوضاع الاستثنائية، برزت المبادرة الملكية باعتبارها عنوانًا عمليًا لتدبير الأزمات، حيث وُجّه بإطلاق تدخلات ميدانية عاجلة شملت إيصال المساعدات الغذائية، وتعبئة الموارد اللوجستية لفك العزلة عن الدواوير المتضررة، إلى جانب إقامة مستشفيات ميدانية لضمان الحق في العلاج للساكنة التي وجدت نفسها خارج نطاق الخدمات الصحية الاعتيادية. وهي خطوات أعادت التأكيد على أن الاستجابة للأزمات لا تُقاس بالبلاغات، بل بسرعة القرار وفعالية التنفيذ.
في المقابل، طغى صمت حكومي لافت على المشهد. فخلال فترة دقيقة تستدعي التعبئة القصوى واليقظة السياسية، غاب الحضور الحكومي الميداني، ما فتح باب التساؤلات حول مدى جاهزية الجهاز التنفيذي لمواكبة الأزمات الاجتماعية والمناخية، خاصة في ظل تواتر هذه الظواهر خلال السنوات الأخيرة.
وساهمت بعض القرارات التنظيمية، المرتبطة ببرمجة العمل الحكومي خلال تلك الفترة، في تعميق هذا الإحساس لدى الرأي العام، إذ بدا أن الأولوية لم تكن لمواكبة تطورات الوضع في المناطق المتضررة، بقدر ما انصرفت الأنظار إلى ترتيبات عطلة رأس السنة، في وقت كانت فيه ساكنة دواوير كاملة تنتظر فك العزلة ووصول الإمدادات الأساسية.
ويأتي هذا المشهد في سياق اجتماعي واقتصادي دقيق، يتسم بارتفاع كلفة المعيشة وتراجع القدرة الشرائية، ما يجعل من أي غياب عن الميدان مسألة تتجاوز الطابع البروتوكولي، لتلامس جوهر الثقة بين المواطن والمؤسسات. فالأزمات لا تختبر فقط صلابة البنيات التحتية، بل تقيس أيضًا مستوى المسؤولية الجماعية في مواجهة المحن.
وفي هذا السياق، يبرز دور جمعيات المجتمع المدني كفاعل أساسي لا يقل أهمية، إذ تفرض هذه الظروف الاستثنائية تكثيف المبادرات التضامنية، وتنظيم حملات لجمع التبرعات، وتوجيه المساعدات بشكل ميداني ومنظم نحو الدواوير المعزولة، بتنسيق مع السلطات المحلية، وبروح تلاحم وطني تعكس عمق التضامن المغربي في الأوقات العصيبة. فالمجتمع المدني مدعو اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى تجاوز المبادرات الظرفية، والانخراط الفعلي في دعم الفئات المتضررة، ترجمةً لقيم التكافل والتآزر.
وفي الوقت الذي تحوّل فيه المغرب إلى وجهة مفضلة للسياح الدوليين خلال هذه الفترة، بما لذلك من أثر إيجابي على الاقتصاد الوطني، برزت مفارقة أخرى تتعلق بضعف الخطاب العملي حول تشجيع السياحة الداخلية، وتقديم المثال في لحظات تستدعي التضامن الوطني والرمزية السياسية.
كما تزامن هذا الوضع مع استعدادات المملكة لاحتضان تظاهرات قارية كبرى، وهو ما يجعل من الحضور المؤسساتي والمواكبة الميدانية عنصرين أساسيين في تعزيز صورة المغرب داخليًا وخارجيًا.
أمام هذا التباين، بدت المبادرة الملكية مرة أخرى كعامل توازن حاسم، أعاد توجيه البوصلة نحو الميدان، ورسّخ فكرة أن الدولة الاجتماعية تقوم على تكامل الأدوار بين المؤسسات، والمجتمع المدني، والمواطنين، خاصة في فترات الشدة والاختبار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *