أغسطس 6, 2026

“144سؤالا”..مديحة خيير تدخل سباق بني ملال بحصيلة تتكلم بالأرقام..

الفجر الجديد:

 

الاستقلال يزكّي دكتورة في علوم التسيير راكمت الأسئلة وحوّلت بعضها إلى مشاريع، حين صادقت اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال، يوم الأربعاء 22 يوليوز الجاري، بالمركز العام بالرباط، برئاسة الأمين العام الأستاذ نزار بركة، على الدفعة الأولى من مرشحاتها ومرشحيها للاستحقاقات التشريعية المقبلة، كان اسم مديحة خيير حاضراً عن دائرة بني ملال. تزكيةٌ تبدو، للوهلة الأولى، تحصيل حاصل لنائبة برلمانية أنهت ولاية كاملة تحت قبة البرلمان؛ غير أن قراءة متأنية في معايير الحزب وفي أرقام الحصيلة تكشف أن الأمر أعمق من مجرد تجديد ثقة.

فمن بين المعايير التي أوردها بلاغ اللجنة التنفيذية صراحةً «تقييم الحصيلة الإيجابية بالنسبة لنواب الحزب في الولاية التشريعية الحالية»، إلى جانب الحضور الميداني والرصيد الشعبي والقدرة على تحقيق نتائج إيجابية في الدائرة. وهي معايير، حين تُسقَط على حالة بني ملال، تجعل من ملف النائبة الاستقلالية واحداً من أكثر الملفات قابلية للقياس الكمي، لا للتقدير الانطباعي وحده.

تنتمي مديحة خيير إلى الجيل الجديد من البرلمانيات اللواتي دخلن السياسة من بوابة التكوين العالي والخبرة الإدارية. فهي حاصلة على الدكتوراه في علوم التسيير، وعلى ماستر في المالية والمحاسبة، وقد شغلت قبل ولوجها العمل التمثيلي منصب الكاتبة العامة لأكاديمية محمد السادس الدولية للطيران المدني، وهي مؤسسة تكوينية تابعة للمكتب الوطني للمطارات وتُعدّ من الواجهات التكنولوجية للمملكة في قطاع الطيران.

هذا التكوين المزدوج، المالي والتدبيري، لم يبقَ حبيس السيرة الذاتية، بل ترجمته النائبة داخل مجلس النواب من موقع عضويتها في لجنة المالية والتنمية الاقتصادية، وهي اللجنة التي تُناقَش داخلها قوانين المالية والاستثمار وتأهيل الاقتصاد والمؤسسات العمومية. وتنشط خيير، عضوة الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية، في محاور التنمية المحلية والبنيات التحتية والنقل والصحة، كما تحتل موقعاً داخل الهيئة التنفيذية للحزب، وشاركت في تنشيط لقاءات حزبية جهوية إلى جانب قياديين وطنيين، من بينها لقاء قصبة تادلة حول العدالة المجالية التصديرية.

في العمل البرلماني، تظل الأسئلة الشفوية والكتابية المؤشر الأكثر موضوعية على انتظام النائب في أداء وظيفته الرقابية. ووفق جدول مقارن لحصيلة الأسئلة البرلمانية لعدد من نواب المنطقة، سجّلت مديحة خيير 57 سؤالاً شفوياً و87 سؤالاً كتابياً، أي ما مجموعه 144 سؤالاً، لتتصدر بذلك اللائحة بفارق واضح؛ إذ لم يتجاوز أقرب رقم إليها 123 سؤالاً، فيما نزلت الحصيلة عند آخرين إلى سؤال واحد أو إلى الصفر.
الرقم في حد ذاته لا يصنع نائباً جيداً، وهذه حقيقة يعرفها المتتبعون؛ فالأسئلة قد تكون شكلية، وقد تتحول إلى أرشيف لا يقرأه أحد. لكن حين تُقرأ الأرقام إلى جانب مضامينها، يتغير المعنى: فأغلب أسئلة النائبة عن بني ملال ارتبطت بملفات ترابية دقيقة، لا بعموميات وطنية، وهو ما يجعل من الحصيلة الرقمية مؤشراً على انتظام في الترافع أكثر منه رقماً للاستهلاك.

أوضح مثال على ذلك ملف تثنية الطريق الرابطة بين قصبة تادلة وجماعة أولاد يعيش. فقد بدأ الملف بسؤال كتابي وُجّه إلى وزير التجهيز والماء، لكنه لم يتوقف عند حدود الورقة؛ إذ تلته سلسلة لقاءات مع الوزارة انتهت إلى الموافقة على عقد شراكة يجمع الوزارة المعنية ومجلس جهة بني ملال ـ خنيفرة، ليدخل المشروع طور الدراسة. وهو المسار نفسه الذي سلكه ملف آخر، أكثر رمزية بالنسبة لساكنة الجهة وجاليتها: فتح خط جوي دولي مباشر بين مطار بني ملال ومدينة أليكانتي الإسبانية.

في هذا الملف، وجّهت النائبة سؤالاً كتابياً إلى وزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، مطالبةً بتسريع فتح الخط خلال صيف 2026، بالنظر إلى العدد المهم من أفراد الجالية المنحدرين من الجهة والمقيمين بأليكانتي وضواحيها، وإلى ما يمثله الربط الجوي من رافعة للسياحة والاستثمار. وقد اعتبرت فعاليات محلية أن ترافعها في هذا الملف شكّل نقطة تحوّل أخرجت الموضوع من دائرة الجمود الإداري الذي طال عملية فتح الأظرفة الخاصة بالخطوط الموجهة إلى المطار.

أما الملف الذي منح النائبة حضورها الأقوى في الرأي العام المحلي، فهو الصحة. ففي مداخلة برلمانية أواخر ماي 2026، واجهت وزير الصحة والحماية الاجتماعية بوضعية المؤسسات الصحية بإقليم بني ملال، منتقدةً تعثّر مستشفى القرب بقصبة تادلة الذي لا يوفر ـ حسب تقديرها ـ الخدمات الأساسية من طب عام وطب أطفال وجراحة، وداعيةً الوزير إلى زيارة ميدانية غير معلنة للمستشفى الجهوي ببني ملال يقف خلالها بنفسه على واقع المرضى بعيداً عن البروتوكولات والتقارير الإدارية. ونبّهت إلى تحوّل عدد من المراكز الصحية إلى مجرد محطات توجيه نحو المستشفى الجهوي، بسبب الخصاص في الأطر والتجهيزات، حتى صار جواب «سير لبني ملال» عنواناً لمعاناة ساكنة جماعات قروية مثل أولاد يوسف وأولاد إسماعيل وآيت الربع وآيت علي.

وفي الشق الفلاحي، تدخّلت النائبة لصالح فلاحي الإقليم المتضررين من موجة البرد التي ضربت دواوير تابعة لجماعتي أولاد يوسف وأولاد يعيش في أبريل 2026، وأتلفت ما يزيد على 800 هكتار من الحبوب والحوامض والبطيخ، مطالبةً بتعويض الأسر التي تشكّل هذه الزراعات موردها الأساسي.

الامتحان .. دائرة بستة مقاعد وذاكرة انتخابية ثقيلة هنا يبدأ الجانب الأصعب من المعادلة. فدائرة إقليم بني ملال دائرة كبيرة، خُصصت لها ستة مقاعد تنافست عليها ثلاث عشرة لائحة في اقتراع 8 شتنبر 2021، وأفرزت تعدّدية حادة: مقعد للتجمع الوطني للأحرار الذي تصدّر النتائج، وآخر للأصالة والمعاصرة، وثالث لحزب الاستقلال الذي حلّ في المرتبة الثالثة بنحو 12 ألف صوت مع وكيل لائحته عبد الرحمان خيير، ثم مقاعد للاتحاد الاشتراكي والحركة الشعبية وفيدرالية اليسار.

والجديد هذه المرة أن مديحة خيير، التي دخلت مجلس النواب سنة 2021 عبر الدائرة الانتخابية الجهوية لبني ملال ـ خنيفرة، ستخوض تجربتها المباشرة الأولى بوصفها وكيلة لائحة في دائرة محلية. انتقالٌ من منطق التمثيل الجهوي إلى منطق الاقتراع المباشر، حيث لا تُحتسب الحصيلة وحدها، بل تُحتسب معها الشبكة المحلية والحضور اليومي والقدرة على التعبئة في محيط تنافسي يضم أسماء ذات رصيد انتخابي راسخ، من بينها وكيل لائحة «الأحرار» نفسه الذي يخوض تجربته التشريعية الثالثة.

ما ينتظرها بعد التزكية.. الطريق إذن ليست معبّدة، ولا يخدم النائبة أن تُقدَّم حصيلتها كإنجاز نهائي. فملف الصحة الذي ترافع فيه ما يزال مفتوحاً على نتائجه، ومشروع تثنية الطريق ما يزال في طور الدراسة، وخط أليكانتي لم يقلع بعد. كما أن المشهد السياسي بالجهة عرف خلال دورات مجلس الجهة الأخيرة سجالات حادة قرأها متتبعون في ضوء اقتراب استحقاقات شتنبر، وهو ما يعني أن التنافس لن يقتصر على البرامج، بل سيمتد إلى المواقع والرمزيات.
يبقى أن ورقة الحزب في هذه الدائرة تنطوي على منطق واضح: تقديم كفاءة نسائية شابة، بتكوين مالي وتدبيري عالٍ، وبأداء رقابي موثّق بالأرقام، في دائرة يحتاج فيها الحزب إلى تحويل مقعده الوحيد إلى موقع أقوى. وبين الثاني والعشرين من يوليوز، تاريخ التزكية، والثالث والعشرين من شتنبر، تاريخ الاقتراع، شهران سيقرران ما إذا كانت 144 ورقة سؤال قادرة على أن تتحوّل إلى أوراق تصويت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *